Nouri Jaffar

فِكرٌ يُربي: بين جعفر والعلاف

بدايةً أتقدمُ بالشكرِ الجزيلِ إلى الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف على إقتراحهِ القَيِّمِ وتشجيعهِ لي للكِتابَةِ عن والدي المرحوم الأستاذ الدكتور نوري جعفر في أسلوبهِ في تَربيةِ أولادهِ، ويسعدني الإستجابةَ لهذا المقترح البَنَّاءِ وكتابة “فِكرٌ يُربي” بإيجازٍ قدَرِ المُستطاعِ عن مَنهَجِ تربيتهِ لنا.

وفيما يلي بَدءاً ما قالَ الأستاذ الدكتور العلاف في نوري جعفر، في ذكرى وفاته الثانية والثلاثين، كما في مناسباتٍ أخرى .

الأستاذ الدكتور نوري جعفر 1914 - 1991 العالم والمفكر والاستاذ الاكاديمي المتخصص بشؤون التربية وعلم النفس في ذكرى وفاته ال (32)

بقلم: الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف

درست كتبه ، ومؤلفاته التي تزيد عن (35) كتابا فضلا عن المقالات والدراسات والبحوث والمحاضرات ومنذ قبل 50 سنة عرفته . كان استاذا، ومفكرا تقدميا ، وعكس توجهه التقدمي في كتاباته ومؤلفاته العديدة لابد ان نستذكره ونهتم بكتاباته التربوية الجادة والبناءة درّس في جامعة بغداد وفي الجامعات الليبية .

كتبت عن كتابه الموسوم ( التقدم العلمي والتكنولوجي ومضامينه الاجتماعية والتربوية ) ، ونشرت ما كتبت في صفحتي هذه وقلت : ” كتاب للمرحوم الاستاذ الدكتور نوري جعفر صدر ضمن سلسلة (الموسوعة الصغيرة رقم (13) من منشورات وزارة الثقافة – جمهورية العراق 1978 . كتاب صغير بحجمه، فصفحاته لاتتجاوز ال (50) من قطع الكف الا ان مضمونه كبير وكبير جدا هو بحث اكاديمي من كاتب تقدمي متنور ومعروف وفيه يؤكد ان التقدم العلمي الحديث يسير بسرعة فائقة المؤلف يدرس تأثيرات هذا التقدم على التربية، والثقافة ، والفنون ويؤكد حقيقة ان الانسان الحديث لم يرتفع خلقيا وسلوكيا الى ما حصل من تقدم علمي وتكنولوجي بدليل انه يستخدم المنجزات العلمية لاغراض لا انسانية ” .

وكتبت عن كتابه المشترك مع الدكتور عبد الرزاق محي الدين والموسوم: (خواطر وملاحظات حول التعليم في العراق ) وقلت : من الكتب الرائدة التي كتبت عن التعليم في العراق ألفه الاستاذ الدكتور عبد الرزاق محي الدين والاستاذ الدكتور نوري جعفر … والكتاب بالاصل مجموعة مقالات نشرت في الصحف العراقية … نشر الكتاب في سنة 1951 ، وطبع في مطبعة الزهراء – بغداد … الكتاب يُعنى بالتعليم في العراق ويستقصي اسسه وحدوده وفلسفته الموجهة ويتابع مراحله منذ قام التعليم الوطني من المواضيع التي تضمنها الكتاب الكتب المقررة في المعاهد العالية – تعادل الشهادات – مجلس التعليم العالي التربية وأثرها في سلوك الانسان الطلاب وضرورة رعايتهم – فلسفة التعليم في العراق -اثر- الفلسفة الديموقراطية والدكتاتورية في توجيه التعليم – فلسفات المجتمع العراقي اقتراحات لاصلاح جهاز التعليم .. المؤلفان من اساطين التربية والتعليم في العراق ومن قادته الاوائل” .

ومن دراساته الجادة كتابه ( الأصالة في مجال العلم والفن ) ، وفيه يقف عند ميزة الابداع او الابتكار وهي هدف التعليم وخاصة العالي في زماننا هذا 2023 ويؤكد في الصفحة (53) على ان ( الابتكار والابداع ) صفة مكتسبة تتولد بالتدريب والممارسة وهي اولا وآخرا نتيجة نعم نتيجة تفاعل إمكانيات الشخص المخية مع العوامل البيئية المحيطة لهذه – برأيه – لابد من رعاية الموهوبين والاذكياء وتدريبهم والاخذ بيدهم واية امة لكي تنهض لابد من ان تهتم بالابتكار والابداع. ومن اقواله المتداولة :” إننا نطمح أن يكون قريبا ذلك اليوم الذي يتحول الصف (الفصل) فيه الى مختبر يحضر اليه الطلبة للاكتشاف والبحث والاستقصاء وان كان الكثير مما يكتشفونه قد توصل اليه غيرهم “.

فِكرٌ يُربي

بقلم: نجود نوري جعفر

أبدأُ كلامي عن والدي نوري جعفر أنَّهُ كانَ – بحقٍ – أباً حنوناً في تعاملهِ معنا، منفتحاً جداً تِجاهنا بفكرهِ التربويِّ، فالحوارُ كان نهجهُ المُفضَلُ على الدوامِ، والإحترامُ كانَ أسلوبَهُ.

بعدَ رحيلِ والدتي المبكرِ عامَ 1975، أشعَرَنا والدي – رحمةُ اللهِ عليهِ – بحنانٍ ورعايةٍ لا مثيلَ لهُما ليملأَ فراغَ رحيلِ والدتِنَا بطريقةٍ لا يُمكنُ وصفَها. إحتضَننا بحُبهِ الوارفِ، وكرَّسَ جُلَّ حياتِهِ لنا ولرعايتِنا، وضحّى بما تبقى مِنْ عُمرهِ لعلمهِ ولنا. كما كانَ يُكررُ على مسامِعِنا قولَهُ الدائمِ: ” أُمُكُم تركتكُم أمانةً في عُنُقِي، ويجبُ الحِفاظُ عليكُم.”

أصبحَ لنا أباً وأُمَّاً، كما وصفَ نفسَهُ بالقولِ:

أنَا ربُّ عائلةٍ ،أبٌ ،وأُمٌّ ،وصديقٌ وحارسٌ أمينٌ .. وأتمَثلُ بقولِ الشاعر:ِ

قَدْ يجزعُ المرءُ الجَليدُ وتَبتلي عزيمةُ رأيِّ المرءِ نائبةُ الدهرِ

تعاوِدُهُ الأيامُ فيما يَنوبُهُ فيَقوَى على أمرٍ ويضعُفُ عن أمرِ

أُمِّي، دعيني أوجِّهُ خِطابي إليكِ هذهِ المرةِ، فبعدَ رحيلِكِ، أذكرُ حُزنَ والدي الشديدِ على فراقِكِ بحُبهِ ووفاءِهِ لكِ لآخِرِ يومٍ من حياتهِ.

إعذُريني أُمِّي، لما سأقُولُ … سألتُ أبي يَوماً لِمَ لَمْ ترتبط أو تتزوج بأمراةٍ غربيةٍ؟ فأجابني بإبتسامتهِ الدافئةِ:

.”لا شئَ يُضاهي أُمُّكِ، فإظفَرُها بمليونِ غربيةٍ وبنساءِ العالمِ كُلِّهِم”

ولَقَد رثاكِ بأبياتِ شعرٍ في كتابهِ ( طبيعةُ الإنسانِ في ضوءِ فسلجةِ بافلوف – الجزء الثاني) قائِلاً:

إلى شريكةِ حياتي – التي فُجِعتُ بفَقدِها – أُمَّ علياءٍ:

أُهدِي هذا الجُهدِ الفكريِّ المتواضِعِ: “جُهدُ المُقَلِ” ولسانُ حالي يُنشِدُ

كأنْ لَمْ يمُتْ حَيٌّ سِوَاهَا ولَمْ تَقُمْ على أحدٍ إلا عَلَيها المنائِحُ

ولَوْ أنَّ حَيَّاً صارَ قبراً لمَيِّتٍ لصَيَّرتُ أحشائي لأعظُمِها قبرا ​

ولَوْ شئتُ أنْ أبكِي دَماً لبَكيتُهُ عليها ولكنَّ ساحةَ الصبرِ أوسعُ ​

وما إنسدتِ الدُّنيا علَيَّ لضيقِها ولكنَّ طَرْفَاً لا أراكِ بهِ أعمى ​

وقَدْ فارَقَ الناسَ الأحبةُ قبلَنا وأعيا دواءُ الموتِ كُلَّ طبيبِ ​

إنِّي لأعجبُ أنْ تكونَ شخصيتي إجتماعيةً ومرحةً كأمِّي ومنفتحةً بإنعزالٍ وبتفكُّرٍ دائمٍ كأبي.

لا أذكرُ يوماً لم يكُن أبي معيَ بحِوارٍ فكريٍّ وخاصةً في عملي، وفي تعامُلاتي، وأخلاقي، وأُسلوبَ تفكيري.

فمَنْ هوَ نوري جعفر (الأب) بالنسبةِ لي ولإخوتي؟

Start typing and press Enter to search